×
--}} -->
طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

نبذة عن : طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

قصة طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

تنويه: يُحظَر قراءة السطور القادمة بصوتٍ مسموع، وتكفي القراءة بالعين فقط تجنّباً لأي أذى.

في البداية، أرغب أن أتوجّه بالشكر إلى عزيزي الكاتب، الذي يرفض تماماً أن يصدّق حكايتي رغم أنني قد وضعت بين يديه

ملف القضية، بالإضافة إلى جميع الصور والمستندات التي تؤكد صدق ادعاءاتي.. ذلك الأحمق المعتوه يمتنع عن تصديق

قصتي، ولا يستمع إلا لصوت عقله فقط.. على أيّة حال، أتمنى ألا يحذف سبابي إليه، فصدقاً إن هذا أقل مما يستحقه ذلك

الوغد الجبان.. معذرةً يا صديقي، فهذه شهادة حق ولا أرغب في الظهور أمام القرّاء بغير الحقيقة حتى لا يظنّونني كاذباً أو

من المنافقين لك.

حسناً.. لنبدأ الآن في ذكر بعض التفاصيل عني، ولكن مع الاحتفاظ لنفسي باسمي الحقيقي، ولتقع مهمة اختيار اسمٍ مؤقّتٍ

لي على الكاتب وحده، وأدعو الله أن يكون اسماً جذّاباً يليق بمكانتي الاجتماعية والعلمية.. نعم؛ فأنا أعمل كطبيب شرعي

في إحدى المستشفيات الحكومية.. أو بالأحرى كنت كذلك قبل أن يتم إيقافي وحبسي لمدة سنتين بتهمة سيأتي ذكرها

لاحقاً.. لحظة!!.. لقد اخترت الاسم أخيراً.. أنا ”عاصم“.. ما رأيكم فيه!!.. ”عاصم درويش الچهيني“.. تبّاً، إنه اسمٌ رنّان لا تنساه

الآذان أبداً، ويبدو لي أشبه بأسماء القادة والمشاهير.. اللعنة، أنا حقّاً محترف في اختيار الأسماء.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

كنت متزوّجاً من فتاة في نهاية عِقدها الثالث، ولكن لم يحنُ علينا المولى عزّ وجلّ بمولودٍ قبل أن تموت.. وبوسعكم أن

تقولوا أن بوفاتها تبدأ القصة التي غيّرت مجرى حياتي تماماً.. حينها، كنت أعمل في وردية مسائية بالمستشفى الحكومي،

وخرجت من المنزل مبكّراً ساعتين لأغطّي غياب أحد الزملاء.. وكان ذلك اليوم هو الموافق ليوم الثامن والعشرين من يناير

لعام ٢٠١١.. تلقّيت اتصالاً هاتفياً من مديري يطلب مني فيه الحضور حالاً إلى مقر العمل لغياب أغلب الزملاء وانقطاع

الاتصال معهم تماماً.

 

وقتها، لم أكن أعلم شيئاً عن حقيقة ما يحدث في البلد؛ فوضعت السماعة والاندهاش يعتري روحي من الرأس إلى أخمص

قدميّ، لأجد زوجتي «هويدا» تقف محدّقةً في قرص الهاتف، ثم نطقت بصوتٍ مرتعش بعد أن هَوَت من عينيها دمعتان

بشكلٍ لا إراديّ:

– ما تنزلش.. ما تنزلش يا ”عاصم“ عشان خاطري.

– في إيه!!.

– بقول لك ما تنزلش.. عشان خاطري بلاش تنزل.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

كانت تتحدث بنبراتٍ مُطمشة، وبصوتٍ يغلب عليه الخوف، وكنت مدركاً تماماً أنها ترغب في بقائي جوارها هروباً من حالة

الملل الشنيعة؛ التي تصيبها دائماً كلّما غادرتُ المنزل وتركتها وحيدة.. وفوجئت بها تقترب مني، ثم أحاطت خدّيّ براحتيها

قبل أن ترمقني بعيونها الباكية:

– لو بتحبّني بجد بلاش تنزل النهارده.

– طيب إهدي بس أرجوكِ.. هي الكوابيس رجعتلك تاني!!.

– ”عاصم“.. لو نزلت هتموت.. والله العظيم لو نزلت النهارده هتموت.. أرجوك بلاش تنزل.

 

لا أخفي عليكم أنني قد استشطت غضباً بعد كلماتها الأخيرة.. لقد استفحل الأمر وبلغ حنقي التراقي بغتةً عند سماعي

لفآلها السيء.. أعترف بأنني أحبها، بل أعشقها قسماً بربي، ولكن ضقت ذرعاً من كوابيسها التي تراود منامها كل فترة.. تارّة

تحدّثني بأن المنزل سيحترق، ولم ينشب الحريق بعدها إلا جزئياً، وكان هذا بفضل جاري النذل الذي ألقى بعقب سيجارته

من أعلى؛ فقذفتها الرياح عبر النافذة إلى داخل شقتي.. لا أنكر أن نبوءاتها تتحقق أحياناً، ولكنها أضحت تظن حالها عرّافة

بابلية لا تنفكّ عن تخمين ما يحدث.. أما إذا تعلق الأمر بحياتي؛ فهذا لن أقبله أبداً.

ولهذا، انصرفتُ من أمامها بعد أن أزحت يديها بعيداً عن وجهي، ثم ضربت الأرض بقدمي نزوحاً نحو غرفتي، وهناك بدّلت

ملابسي غير عابئ بتوسلّاتها مطلقاً.. كانت تبكي جوار ركبتيّ، وترجوني في خضوع ألا أغادر المنزل، وأنا من أعلى المقعد

أنظر لها في احتقار بعد أن تأكّدت من جنانها تماماً.. وقبل أن أغادر البيت، وجدتها تستوقفني قائلة والدموع تنهار من

حدقتيها:

– أنا آسفة.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

صفقتُ الباب خلفي، وتوجّهتُ إلى المصعد، فأنصتُ إلى صوت مصراع الباب ينفتح مجدّداً، ورأيتها تهرع ركضاً على الدرج

لتلحق بي.. وما إن تجاوزت باب البناية حتى وجدت مظاهرة تلوح في الأفق، فترجّلت سريعاً نحو سيارتي لأحرّكها من مكانها

قبل أن يقترب المتظاهرين من محيط العقار.. وخلال ثوانٍ قليلة، ولجت المفتاح بيميني، ثم أدرت المحرك لأجد «هويدا»

تمسح بكفّيها على زجاج النافذة وهي تبكي بحرقة على مصيري المجهول:

– اطلعي.. اطلعي فووووق.. بلاااش جنااااان.. بقول لك اطلـ,,,,.

 

وانحشرت الكلمات داخل حلقي بعد أن سمعت أصوات دويّ الرصاص من جميع الأرجاء، كانت أشبه بسيمفونية عسكرية

وأصوات الخرطوش تتردد كما لو أنها أوركيسترا جنائزية.. الاشتباكات بين العناصر الأمنية، وبين المتظاهرين كانت تكفي

لصمّ مسامع مدينتين بالكامل.. وتبادل إطلاق النيران بين الطرفين، يجعل الحرب العالمية الثانية أشبه بشجارٍ هزليّ في

إحدى الحارات.. وأسفاً، تلقّت زوجتي عياراً طائشاً في رقبتها؛ فتهاوت أمامي كورقة ذابلة في مهب الريح.. وأبداً لن أنسى

نظراتها لي وهي تمسح بوجهها على زجاج النافذة والدماء تتفجّر من عنقها.. كان مشهداً مرعباً بحقّ، وحاولت أن أنساه قدر

استطاعتي لكن دون فائدة.. وأتذكر أيضاً أنني هممت لمغادرة السيارة، فاستوقفتني أصوات الرصاص لأجد نفسي متخذاً

وضعية الجنين على المقعد، وانتظرتُ مكاني لا أبرحه قيد أنملة، وإلى الآن أقسم بربي أنني لا أعلم كم لبثت.. ربما يوماً أو

بعض يوم، لكن ومن رفع السماء بلا عمد كان الوقت يمرّ على روحي في بطء الحياة على كوكب «عطارد» وقد يزيد.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

انتظرتُ إلى أن هدأت الملحمة الطاحنة التي تدور بالخارج، ثم غادرتُ السيّارة بقدمين هزيلتين مرتعشتين كما لو أضحيتُ

في أرذل العمر فجأةً؛ فوجدتُ زمرة من الجيران يحملون جثّة زوجتي ليدخلوها إلى صحن العقار.. لا أعرف ماذا أصابني

وقتها، كانت الغصّة تكوي حلقي والألم يحرق فؤادي، لكن لم أبكِ قَطّ ولم تعلن عيناي حالة الحداد وقتها.. المشاعر بداخلي

كانت متداخلة وغرائبية إلى حدٍّ كبير، وأذكر أن عقلي كان مهتماً بأمرٍ أخر.. هل أنا السبب!!.. هل أنا من جنيت عليها، أم أنها

هي من جَنَت على نفسها!!.

ومرّتْ الأيام تِباعاً دون أن أغادر المنزل، واعتمدتُ على مساعدات بعض الجيران في إحضار الطعام ولوازم البيت.. أقسم

لكم أنني كنت حزيناً على فراقها، وكنت لا أقدر على النوم إلا من خلال غفواتٍ ضنينة.. كنت كلّما أغمض عينيّ، أرى صورتها

أمامي وهي تتوسّل إليّ بألا أغادر البيت هذا اليوم، وكان هذا يؤنّب روحي، ويقتلني من الداخل.. ذلك الإحساس المقيت لم

أكن أقدر على تحمّله نهائياً، فداومت على تناول العقاقير المهدئة وأحياناً المخدّرة، ولكن من دون فائدة.. كنت أتمنى وقتها

لو أحظى برؤيتها مرة أخيرة، فقط لأسألها:

– أنا السبب!!.. طيب إيه اللي نزّلك ورايا يومها!!.. إنتي مسامحاني!!.. مسامحاني يا «هويدا»!!.. أرجوكِ تسامحيني، أرجوكِ يا

«هويدا».. ردّي عليّا عشان خاطري، ردّي عليّا وقولي إنك سامحتيني!!.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

لا أدري لماذا كان الشعور بالذنب يراودني دائماً وقتها، ولهذا توقّفت عن النظر إلى نفسي بالمرآة.. كنت أتحاشى رؤية وجهي

من خلالها ولو صدفة، ودعوت الله كثيراً أن يلحقني بها.. ليس حزناً عليها، ولكن لأتخلص من ذلك الإحساس القذر الذي

ينهشني باستمرار.. وأذكر أنني أكثر من مرة كنت ألتقط المُوسَى، ثم أضعها على رسغي مثبّتاً شفرتها الحادة على شراييني؛

فانخرط في نوبة بكاء لساعاتٍ طوال.. ليس حزناً عليها، ولكن كنت أبكي لأنني غير قادرٍ على الانتحار.. نعم يا سادة، هذا

القرار يحتاج إلى شجاعة تصل إلى حدّ الجنون، وأنا لست شجاعاً إلى هذه الدرجة؛ فتناولتُ عشرة أقراص من مهدئ

الـ«زانكس» دفعةً واحدة.

 

ولكن لسوء حظّي لم تفلح تلك الوسيلة ايضاً، حيث أنني غبت عن الوعي لفترةٍ طويلة، وفوجئت بعدها بدقّاتٍ متتالية على

باب الشقة.. كنت ممدّداً على أرضية دورة المياه الباردة كما لو أنني جِرذٌ أجرب؛ فاعتدلتُ بصعوبةٍ ثم تحاملتُ على ساقيّ

مستخدماً الحوائط كمساند وعكّازات، ووصلتُ أخيراً إلى الباب.. فرجته بأناملٍ مرتعشة، ورأيتُ زميلتي في القسم، الحسناء

«روان المهدي» ذات الأصول المغربية.. لم تسألني عن تفسيرٍ لحالة الوهن التي ترتسم على أطرافي، بل وضعتْ رقبتها

أسفل إبطي، ثم بدأت تجرّني إلى الرَدهة رويداً.. وهناك، ربتتْ على خدّي الأيمن بأناملها الناعمة كما الحرير، ثم همستْ

بصوتٍ عازف:

– عايز تشوفها!!.

– نفسي.. نفسي أكلّمها.. نفسي أسمعها بتقول مسامحاك.. نفسي أقول لها حقّك عليّا.

– هتشوفها.. والله هتشوفها وتكلمها.

– إزاااي!!.. إزاي ده هيحصل، وهي خلاص ماتت!!.

– أدخل غيّر هدومك، وتعالى معايا.. أنا هخلّيك تشوفها وتكلّمها.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

كنت أبكي بحرقة مدارياً وجهي عنها، ولم أنتبه لكلماتها الأخيرة إلا بعدما جذبتني من ذقني لأنظر في عينيها، وأقسم بحقّ

السماء أن في سواد بؤبؤيّ عينيها لم أرَ في حياتي قَطّ، كان لونهما أسود غطيس ومقلتيها كما لو أنهما مصبوغتان بالأحمر

القاني، ولوهلةٍ شعرتُ أنني أحدّق في وجهٍ شيطانيٍّ خبيث.. لا أنكر أنها كانت شديدة الجمال، ولكن قسماتها أخافتني كثيراً

بعدما أنهتْ حديثها بـ«أنا هخلّيك تشوفها وتكلّمها».. أعلم عنها الكثير بفضل ما يتردّد من أقاويل بشأنها في المشفى، حيث

يُقال أنها تقضي جلّ وقتها في المشرحة، ولكن ما علاقة هذا بذاك!!!.

 

وهكذا أنا نهضتُ من مرقدي بذهنٍ مشتّت، ثم عرجتُ إلى غرفة النوم مبدّلاً ثيابي في غمضة عين، فوجدتها تقف عند

الباب تنظر إلى جسدي العاري في شبق، ولا أدري حتى الآن لماذا لم أنهرها عن اقتحام خصوصيتي بفجاجةٍ كهذا.. ربما

خِفتُ أن أثير حنقها، فتمتنع عن مساعدتي حينئذٍ.. وقد تكون طلّتها المرعبة هي ما جعلتني أشعر بالرهبة منها.. حقيقةً، لا

أعرف ولكن هذا ما حدث.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

وغادرتُ الشقة سائراً في تؤدة خلفها، وأعتقد أنها كانت تتعمد إثارتي بردفيها المرسومين، ومؤخرتها النافرة كما لو كانت

مهرة عربية أصيلة، بَيد أني لم أكن مكترثاً بأنوثتها السافرة ذلك الوقت.. وارتميتُ جوارها في السيارة تاركاً لها العنان في

تحديد وجهتنا، وعقب فوات نصف الساعة وجدتني أقف بمحازاة المقبرة التي شُيّعَت زوجتي إليها منذ شهر.. كنّا بعد

منتصف الليل بقليل، والفجر يبعد عنّا مسافة ساعتين وربما ثلاث.. ودون أن تعيرني اهتماماً، رمقتها تغادر السيارة بطيئاً،

ثم ترجّلتْ نحو الحقيبة الخلفية؛ فأخرجتْ منها معولاً ضخماً، وقطعةٍ حديدية يُطلَق عليها «أَجَنَة».. ولم أجسر على سؤالها

عن سبب حمل تلك الأدوات معها، وحلّ عليّ الوجوم وبِتُ غير قادرٍ على التحدّث إليها أو رفض أوامرها.. هذه المرأة تعلم

جيداً حجم الهالة التي تحيط بها، وتدرك حقّاً أن لا أحد يستطيع الوقوف أمامها.

وحتى الآن لا أفهم كيف قمتُ بهذا.. كيف رضيتُ بإخراج جثة زوجتي من قبرها!!.. كيف سمحت لنفسي ولزميلتي بتدنيس

حرمة مدفنها!!.. الأمر لم يكن يتطلب قدراً من الشجاعة أو الجرأة، عِوضاً عن عدم وجود أيّة مخاطرة في فعلتي هذه؛

فالشوارع كانت خالية تماماً من الشرطة، وأماكن وجود الكمائن العسكرية كانت محفوظة مسبقاً؛ فوضعتُ زوجتي على

أريكة السيارة ثم تحرّك ثلاثتنا نحو المستشفى الذي أعمل به، ولعَمري لم أجد إنساناً خائفاً خاضعاً طائعاً كما رأيت عامل

الأمن الواقف عند البوّابة الخلفية.. كنت أعرف ملامحه بصيصاً، ولم أكن أتعامل معه إلا نادراً؛ فتلك البوّابة قلّما تُفتَح.. ولكن

ما استرعى انتباهي هو تصرفه مع جثة زوجتي كما لو أن هذا ديدنه الذي دأب عليه؛ فرفعها بمساعدة ممرضة انبثقت من

بابٍ جانبي، ثم ساقاها إلى غرفة شبه مظلمة تربض في أسفل البناية.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

على الرغم من سنوات عملي الطويلة بذلك الصرح الطبي العظيم، إلا أنني لم ألحظ تلك الحجرة من قبل كأنها قد صُمّمت

حالاً أو خُلِقَت من العدم.. ورأيتُ العامل ينصرف مع الممرضة دون أن ينبس أحدهما بحرف، وأكاد أقسم بأنني سمعتُ

خفقات قلبيهما وقتها.. يرتعدان كما المحمومين، بَيد أنهما تصرّفا أمامي بتلقائيةٍ شديدة كما لو كانا يفعلانها كل مساء.. وخلا

المكان بي وزميلتي، فوجدتها تقترب من جثة زوجتي الموضوعة على صفوانٍ رخاميّ، ثم جذبتْ مقصّاً طبّياً بيمينها،

وشرعت تمزّق الكفن في برودٍ كأنها نبّاشة قبور مخضرمة؛ فخانتني أمعائي بعدما أعلنتْ أحشائي حالة التمرّد والعصيان،

لأجدني أتقيّأ ما ببطني من سوائلٍ لا أدري كُنهها.. كنت معتاداً على رؤية جثث الموتى بحكم وظيفتي، لكن أن تكون هذه

جثة زوجتي التي كانت تبيت بحضني كل ليلة، يصبح هذا أمرٌ أخر.

بعدها، دسّتْ «روان» يديها داخل حقيبة أخرجتها من أسفل الصوان، ثم أفرجتْ عن عدة قناني ضئيلات الحجم.. ولم تنقضِ

نصف الثانية حتى سكبتْ بعضاً من سوائلها داخل فيه زوجتي، أو بالأحرى جثتها التي كانت تنضح برائحة خانقة تبعث على

الغثيان.. انحرفت بنظراتي بعيداً عن مشهد الجثّة، ثم وجدتُ ”روان“ تهمس بالقرب من الصوان الأيمن لأذن زوجتي:

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

– بِاسْمِ الأثر والمنثور، بحقّ الطلسمات والحرف المرصود، باسم سرّ العزائم وعهد الكنعانيين، باسم العالم السفلي وروح

إبليس، باسم اللؤلؤ والمرجان والجواهر اللمّاعة، والقوس أرقياقييل وأخر المثلّثات الأربعة، والبروچ والسماء وعلم الساعة.

واعتدلتْ بعدها لتقف منتصبة، ثم أخرجتْ قطعة قماشية ذات رائحةٍ عطرية نفّاذة من حقيبتها، فضربتني حالة القيء

والغثيان مجدّداً، تماماً كأنني أختنق أعلى قمة جبلية شاهقة.. ورغم الإضاءة الباهتة، إلا أنني أكاد أجزم بأن تلك الخِرقة كانت

تحوي حروفاً عربية وأعجمية ورسوماتٍ شيطانية.. وخلال ثانيتين لا ثالث لهما، رأيتُ زميلتي تدني القماشة من شفتيها، ثم

همست بكلماتٍ لا أدرك حقيقتها أو معناها، ولكن لم أقدر على نسيانها حتى الآن:

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

– مَرِچَانٌ دُعآאَय़ॐ سِمَے پُؤِنْےِ.. ब६ि९ककचॉק.. گیِہّگوُٹِ عَاشِقً أوَّلَهُ.. فَوّرِقَآںَڑیْ آڈمِگرّدٍ يُؤيّپْۓڈنُهٌ تَغِفُلِيّهُ لِژ.. هَذَا ڈعَاءِ عَهْدٍ

تَأمَنَهُ.. ฏ९ि७९चरहॉซฤ.. فْيِ أوّلِهَا قَدَاسْةٍ، وَفِيِ بَاطِنِهَا نَارٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَافِظٌ.

 

وأنهتْ كلماتها، ثم وجدتها ترتعش والرجفة تسري على أطرافها؛ فبدأتُ أقترب منها بحذرٍ كأنني أقف أمام شيطانٍ ذي

قرنين.. وبحرفيةٍ لا تُحسَد عليها، رأيتها تدسّ القماشة داخل حلق زوجتي؛ فاتسعت حدقتا عينيّ تلقائياً كما لو كنت أتوسّل

إليها بأن تتوقّف دون أن أجسر على زحزحة لساني بحرف.. وفي لمح البصر، جذبتني من يميني وجعلتني أقف أمامها، فكان

الصفوان الذي ترقد عليه جثة زوجتي يفصل بيننا.. وعلى حين غرّة، جرحتني في يميني بمبضعٍ طبّي استلّته سريعاً بيسراها،

ثم جرحت يمناها دون أن تتألم أو يبدو عليها أيٍّ من تعابير الوجع.. وفي نمطية أمسكت بيدي المجروحة، ثم رفعتها عالياً

لتقطر دمائنا داخل حلق زوجتي.. وأقسم أن مع هبوط أول قطرة فوق القماشة، رأيتُ أطراف ”هويدا“ ترتعش كأن أحدهم

قد وضع أقطاباً كهربائية أعلى صدرها.. وسمعتُ ”روان“ تنطق بصوتٍ مرتفع بعد أن فتحتْ عينيّ زوجتي بيدها:

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

– ومذبح الكنائس، وأمر سليمان، ونجمة داوود، توكّل يا خادم الأسرار.. أقسمت على كبيركم، بألا تقوم الساعة، وكتبت العهد

بدمي، وبالذكر في الدعاء.. باسم الطلسم المقدّس، والعهد القديم، وأرواح الشياطين، أن تحضر بالميزان، يا من تختال ولا

تحتدب، يا من تهمس بالهواء ولا أحد يراك، أنت الرصد، وعليك بالسحر، أقسمتُ بروحك، أن تحضر في هذا الجسد.

أنهت كلماتها، ثم رأيتها تشهق بقوة كأنها على وشك أن تفقد رئتيها إلى الأبد، ثم تمايلت بجسدها وأخذت تعود إلى الخلف

خطوتين؛ فبرحتُ مكاني مترجّلاً ناحيتها على أمل أن أعينها في السقم الذي أصابها فجأةً.. كانت ترغي وتزبد بصوتٍ

متحشرج كما لو شارفتْ على الاحتضار، ثم فحّت أخيراً قبل أن تهوي أمامي فاقدة الوعي:

 

– باسم الطلسم والرموز، وحل مفاتيح الكنوز، لا عليك شِرك، من بني سليمان، ४ تعرف القدر والاعتدال، ترانا ولا أحد يراك..

كَلْكِيَالْ، رُوْفْيَائِيْلْ، سِيْمّيَائِيْلْ، أهْرَاطّيِلْ، إسّرَافْيِلْ.. تَغْتَالُ وَلَا تَخْتَالْ، ४ تَعْرِفْ القَدْرَ أوّ الاعّتِدْالْ، كَفَرْحَةٍ مُقَدَّسَةٍ تُتْاحَ وَلا تَحْتَدِبْ،

تَفْوُحُ مِنْهَا رَائِحَةَ الژوَالِ.. أَڑشِمْ، أَهِيْاتْ، آڤِّيْنْاسْ.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

ثم خرّتْ مغشياً عليها، وفقدت الوعي تماماً.. كنت متحفّراً لأقصى درجة، وارتفعتْ نسب الأدرينالين في دمائي بشكلٍ غير

مسبوق، فانكببتُ فوقها متخذاً وضعية الركوع، ثم ربتُ على خديها أكثر من مرة على أمل أن تفيق.. بعدها، دنوتُ بأذني من

صدرها داعياً المولى أن يوفّقني في سماع نبضها، ولكن كمن فقد طبلتيّ أذنيه أو أصابه الطرش بلا سبب لم أتمكن من

سماع دقّات قلبها؛ فأمسكتُ رسغها لأتحسّسه بيميني، ثم انتظرتُ أن أشعر بتدفّق الدماء داخل أوردتها، لكن استحال

معصمها فجأةً إلى طرفٍ يخلو من أيّة حياة.

أدركتُ وقتها أنها قد ماتت، ورغم ذلك انتظمتُ على الربت فوق وجنتيها، ولم أتورّع عن ضخّ الأكسچين داخل فمها مراراً، ثم

بدأتُ في الضغط على صدرها علّها تعود إلى الحياة.. وكمن استجاب الحظّ له، وجدتها تحرّك راحتها المجروحة لتكشف عن

قماشة باهتة؛ فقرأتها بصوتٍ عالٍ ظنّاً منّي أنها وصيةٌ أخيرة، أو رسالةٌ تريد توصيلها لأحدٍ ما:

 

– يا صاحب الثالوث الجهنمي، يا إله نيبور، ورب عقرون، قرأت عليك الصلوات الإبليسية الأربعة، وخلعت أمامك كل الأقنعة،

أنت الدافع والمانع والمحيط، أنت العاصي والمتمرد فلا يغنيني غيرك، رب المذبح، ورمز البوهيموت، أحضر يا اسرافييل،

الموكل بالعهد الشريف، باسم الفازعة، والتابعة، وخدّام الطلاسم الشافعة، عليك بجسدي فهو لك، وأقدّم روحي فهي منك،

ووضعت نفسي بين يديك.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

ارتعشتْ الإضاءة بعدما نطقتُ أخر كلماتي، وطفقتُ أرى الموجودات على الضوء الذابل القادم من أعمدة الإنارة وضيّ

القمر، كنتُ أرغب في الصراخ علّ أحدهم يسمعني؛ فيأتي ليغيثني.. كنتُ أطمع في حملها، والركض بها سريعاً إلى غرفة

الاستقبال، بَيد أني شعرتُ بهواءٍ بارد يزحف على ظهري، وسرتْ القشعريرة على جسدي.. وعلى حين غرّة، أصبحتُ أشعر

بأنني أقف داخل ثلّاجةٍ هائلة للموتى؛ فالتفتُ خلفي وليتني لم أفعل.

 

كانت زوجتي تتحرك من فوق الصفوان، وأقسم على أنها كانت تشبه الشياطين تماماً.. أنا لم أكن أرمق جثّتها، بل عفريتاً

يتلبّسها.. رأيتها تحاول النهوض من فوق الصفوان، وترمقني بنظراتٍ خاوية تخرج من عينٍ موات، لا روح فيها ولا حياة..

ولعَمري لن أنسى كيف كانت تتحرك، تماماً كما لو أنها عروسة خشبية تتحطّم، وكنتُ أسمع أصوات مفاصل عظامها تصدر

صريراً كأبواب المنازل القديمة، ورويداً كانت تهبط من فوق الصفوان إلى أن لامستْ الأرض بقدميها؛ فتمادى الصقيع في

أنحاء الحجرة أكثر.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

لم أقدر حينئذٍ على الهروب، وفقدتُ القدرة على التحكم في ساقيّ نهائياً، وتمنّيتُ لو انشقّتْ الأرض وابتلعتني، ورغم هذا

إلا أنني صارعتُ حالة الشلل التي انتابتني بغتةً بجهدٍ جهيد حتى وصلتُ زحفاً إلى الباب الذي دلفت منه قبل قليل، كان

موصداً كما تركناه ولكن من دون مقبض؛ فشرعت أطرق أخشابه بيميني دون أن أزحزح نظراتي عن جثة زوجتي، التي دأبتْ

على السير تجاهي بحركاتٍ بطيئة إلى أن أطبقتْ يديها حول رقبتي، ثم أجبرتني على النظر داخل محجريها، وحتى هذه

اللحظة لن أنسى ما رأيته داخلهما.. كأنني كنت أطلع على جهنم والجحيم معاً.. كلّا.. إنها هي سقر التي لا تبقي ولا تذر،

اللوّاحة للبشر، وفي منتصفها رأيت التسعة عشر.

 

وغِبتُ عن الوعي تماماً بعدها، ولم أشعر بأيّ شيء كما لو أن أحدهم انتزع روحي من قفصي الصدري، ولا أدري ماذا حدث

بعد هذه اللحظة سوى أنني وجدتُ مدير المستشفى يلكزني بقدمه، وجواره كان يقف عددٌ من المسؤولين ذوي البذلات

الكاكي، وحرّروا مذكّرة رسمية تفيد بأنني عبثتُ بقبر زوجتي، وانتهكتُ حرمته بعد أن أخرجتُ جثّتها، فأحيلتُ إلى النيابة

العامة ومنها إلى المحكمة، وهناك صدر الحكم بفصلي من وظيفتي بالمستشفى نهائياً، وحبسي لمدة عامين مع تغريمي

مبلغ خمسمائة جنيه.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

لم أعبأ بالحكم مطلقاً، ولم أكترث لضياع وظيفتي، وشدّ ما شغلني وصَلَى عقلي ناراً هو دخول ”روان“ إلى قاعة المحاكمة،

وإنكارها لجميع الادعاءات التي وجّهتها بنفسي إلى هيئة القضاه.. كيف نجتْ!!.. كيف!!.. كيف عادت مجدّداً إلى الحياة،

ولماذا كانت تتحاشى النظر إليّ حين وقفتُ في القفص أنادي عليها، أتوسّل إليها بأن تقول الحقيقة، أرجوها بأن تتكلم.. لم

يشغلني تبرئة نفسي، بل كنت أرغب في تفسيرٍ لِما حدث.

 

ومضتْ الأيام دون أن أستخدم حقّي في الطعن على الحكم، ولم أوكّل محامياً ولم تكلّف المحكمة رجل قانونٍ ليدافع عنّي

كما بدا لك في أوراق القضية يا صديقي، وستجد بين الأوراق صوراً لعشرات الأحراز كجثّة زوجتي، والأقمشة البالية، وعدّة

قنّيناتٍ فارغة، بالإضافة إلى وريقاتٍ ممزّقة تم جلبها من كتب سحر لا أعرف شيئاً عنها، لكن أدركتُ فيما بعد أنها من كتاب

يُدعى «العزيف» خاص بطقوس إحياء الموتى.. وعندما أفرجوا عنّي بعد مضيّ المدّة، اتجهتُ إلى المستشفى بحثاً عن

”روان“، لكن أخبروني بأنها قد سافرت إلى والدتها في المغرب ولن تعود مجدّداً.. أضع بين يديك جميع الأدلّة، وأعلم أنك لن

تصدّق حرفاً أيها الكاتب المغرور، لكن أقسم لك بأنها الحقيقة وأرجو أن تكتبها يوماً ما.

*****

طقوس إحياء الموتى- ابراهيم فريد

*****

وغادر الكاتب منزلي بعد أن وعدني بكتابة قصّتي بكل حيادية جاعلاً من القرّاء حكماً بيني وبينه، وأدعو الله أن تكونوا رحماءً

بي وتصدّقوا أن جثّة زوجتي قد تحرّكت يومها، أقسم بالله أنني رأيتها تنهض من فوق الصفوان قادمةً نحوي في بطء قبل

أن تُحكم قبضتيها حول رأسي، وأقسم لكم جميعاً بأنني رأيتُ السعير داخل عينيها الميتتين.. اللعنة!!.. هذا المشهد يرفض أن

يُمحى من ذاكرتي، وكلّما أغمضتُ عينيّ رأيته ثابتاً في مخيّلتي.. داومتُ على الصلاة، والصيام، وقراءة القرآن، والاستغفار

طالباً من الله أن يسامحني على ما اقترفته منذ سنوات، وأن يرحمني من هذا العذاب الذي أنا فيه، لكن لا أمل.. يبدو أنني

سأكتب النهاية بنفسي يوماً ما، وسأكون حريصاً أن أعلمكم إيّاها، فقط عليّ أن أجد ”روان“ لننبش قبر زوجتي مجدّداً.

 

لتحميل العمل

إضغط هنا

 

موقع اسرار للنشر والتوزيع الالكترونى

هو مكتبة إلكترونية تحتوي آلاف الكتب والروايات بصيغة PDF

ويمكن قراءة الكتب مباشرة،كما يمكنك تحميل الكتب الإلكترونية مجانًا.

توزيع الأعمال إلكترونياً ونشرها علي المنصات المختلفة

تحويل الأعمال إلى تطبيق ورفعها علي الجوجل بلاي

**

الفيس بوك

اضغط هنا

الواتس أب

اضغط هنا

أعمالنا الورقيه في  المعرض  القاهره الدولى للكتاب  لسنه 2021

لشراء الكتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رشحنا لك